حرم من صنع الطلبة

على تخوم الفناء الجامعي، رقعة فسيحة من المزارع الخصيبة أفردتها الإدارة الجامعية لتكون ميدانا لابتكارات الطلاب ونتاج صنعهم، ضمن مبادرة سموها بـ ”حرم من أيدي الطلبة“. ومغزى هذه المبادرة أن يقوم الطلاب بابتكار هذه المساحة وهندستها بأنفسهم، ويجتمعون فيها من شتى من الأقسام؛ طلاب التصميم، طلاب العمارة والتشييد، طلاب الزراعة، وطلاب الحوسبة. أما أنا، فقد أسهمت بشيء يسير في مجالي الذي هو نظريّ محض، فأجريت بعض الحسابات وسلمت نتائجها، غير أن المعلم لم يجدها إسهاما كافيا وقال لي لابد لك أن تلامس الواقع، احضر معنا العمل الميداني، ستتعلم أكثر إن عاينت بنفسك، وباشرت العمل بيدك.

كنت قد مشيت حول هذه الأرجاء سابقا لكني لم أدخل عميقا. هذه صور لبعض المباني:

مبنى القبة من صنع السنوات الماضية

الكوخ أيضا من أعمال السنين الماضية
مساحة جديدة قيد البناء

يقول المعلم إن هذه المباني والمجسمات لم تبتغ لذاتها لتكون في أعلى درجات الإتقان والكمال، بل هي بمنزلة المسودات والرياضة البدئية؛ وهدفها ترويض الطلاب وتدريبهم في رقعة خاصة على التجريب، والخطأ، والهدم، وإعادة البناء. لذا، فإن بعض الأبنية تُزال فور تركيبها، وبعضها الآخر يُترك لزمن أطول. ويرى الأستاذ أن الحرم الجامعي لن ينتهي ولن يتم أبداً، بل سيبقى في نماء وتطوير دائم؛ لأن الثمرة المرجوة منه ليست تأسيس مبنى ولا تصميم ثابت، وإنما الغاية الحقيقية هي رفع كفاءة الطلاب، وتوثيق عراهم بالجانب التطبيقي كما النظري.

وفي المشروع المنوط بنا، كان المقصد إقامة مشتل صغير لاستنبات العنب. وكانت الخطوة الأولى حساب المساحة وتقسيم أجزائها، وهو الموضع الذي أسهمت فيه بنظري؛ غير أنه تبين لي جلياً كم يعسر العمل التطبيقي، إذ واجهتنا مشقة بالغة في ضبط المقاسات وتثبيت الأطر الخشبية على وجه الدقة، فلما استقر بنا التثبيت، مددنا الخيوط للتأكد من توازي أضلاع الأخشاب واستقامتها. ثم شرعنا بعد ذلك في حفر الأرض لإرساء أعمدة المشتل وتثبيتها.

إطار المشتل وخيوط التوازي
حددنا نقاط إرساء الأعمدة لنبدأ الحفر
رغم صغر الحفر إلا أنها أخذت وقتا طويلا

وكان ذاك اليوم أول عهد لي باستعمال المجرفة. ولأني لا أحسن الارتجال مطلقا، أطلت النظر في طريقتهم وحاكيت قدر الإمكان. بعدها أوقفنا المعلم وأعطى إرشادات لتسوية الحفر من حيث العمق وكذلك الأوزان المعيارية التي سيتثبت عليها العمود.

هاجيمي وماتسوكاوا يشرحان قياس عمق الحفرة والردم بالحجر
كل طالب يكتب اسمه على حجر الأساس

وبينما اشتغلوا في الكتابة، انصرف عقلي إلى مايحسن الانصراف إليه. وجدت على الأرض قطعا. بدت لي كأجزاء تفرقت من أصل واحد:

كدت أصورها منتظمة لولا أن قوطعت

”يافلان!! كف عن السرحان! تعال اكتب اسمك معنا.“ نادى المعلم.

كتبت اسمي على الحجر. أدخلناه في الحفرة وردمناها.

ثم عدت إلى أخشابي الصغيرة لم أجدها سامحه الله وبقيت معي صورتها المفككة ذكرى تضايقني.

أخذنا استراحة قصيرة ثم بدأ الضجر يتسلل إلى صدري. سرعان ما تجهدني الأنشطة الحسية: احفر احمل ثبت.

ماتصلح لي هذه الأعمال ولا أصلح لها. ولهذا أحب العلوم النظرية التجريدية وأسعد حينما أكون في أبعد المسائل عن المحسوسات.

ولا أنكر أن في هذا النوع من الأنشطة فرصة للتجديد والتعلم.إلا إني وددت لو ينتهي سريعا.

الخطوة الأخيرة ولله الحمد كانت قص الأعمدة وتثبيت الخطافات.

أخرج الأستاذ هذه الآلة من سيارته وقال تستعملونها لقطع الأعمدة:

قذفتها نفسي ما إن رأتها

وعزمت ألا أقربها ولكن رأت عيني من شجاعة الشجعان مالا يحرك الغيرة في الوجدان

أول طالب يتبرع بالقص

انهمك المعلم يشرح لنا أساليب السلامة وانهمكت أنا أهدئ من روع أصابعي وأعاهدها أن نرجع سويا إلى البيت. قالت:
— ألا تفهم؟ لهذا أسموه حرمُ من أيدي الطلبة!
— قلت لها بالله تكفي عنـ ارتيابـ….

وفجأة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

قاطع جدالنا عويل القطاعة كان أيما عويل! دمر طبلة أذني وضج رأسي وزغلل عيوني، ماعدت أسمع شيئا.

أما ثيابي وشعري فقد تزخرفا بنشارة الخشب التي تطايرت في كل مكان رغم بعدي.

وبينما أستعيد وعيي كلفنا المعلم حملة كنس وتنظيف ما التقطت لها صورة لا أريد تذكرها وماخرجت من ذاكرتي.

أنهينا التنظيف وانصهرت بطاريتي ولكني صبرتها بأن الفرج قريب وههو العمل يوشك أن ينتهي. بقي تثبيت الأعمدة:

ثبتنا الخطافات
لتربط بأطراف العمود

ثم أرسيناها عند كل ركن و انتهينا ولله الحمد.

الآن وقت الترتيب. نجمع الأدوات في الأدراج لنعيدها إلى ورشة العمل.

بعد الكنس والتوظيب

انتهينا وهممت ألملم أغراضي فرحا بالرحيل. لكن المعلم أدركني! ”تعال سآخذك إلى مبنى الورشة حيث مكوث الطلاب للراحة و الأعمال غير الميدانية“.

قلت خير إن شاء الله، وانطلقت معه. دخلت المبنى:

وجدته ضيقا كعادة بيوت اليابان ومليء بالأدوات والمشاريع

طابقين مصنوعين من الخشب بالكامل

ألقيت نظرة على أعمال الطلاب. وشدت انتباهي بعض المجسمات. أفكارها لافتة وشائقة

وعلى وجه الخصوص مجسمات الشدائد. وهي أبنية من حبال تشد وترخى، لها توظيفات عدة في أساليب التشييد وتوزيع الأحمال ومقاومة الزلازل.

الشدائد
تركيب نماذج مختلفة

وبعد أن طاف بي كل المبنى شكرته على الفرصة و قفلت راجعا إلى البيت. كان يوما طويلا شاقا على فتى يقضي جل وقته في رأسه مثلي، بيد أنه حمل إلى النفس طرافة وجدة. وبعد أسابيع قد نعود إلى كد العمل في الحقل، وقد ألتقط صورا جديد لهيكل المبنى. أتطلع إلى اكتماله وشغفي الأكبر هو أن ينجز المشتل وأغرس بذور العنب لأراها تكبر.