أسلوب اللقط


سأتناول في هذا الموضع الأسلوب الثاني من أساليب القراءة اليقظة، بعد أن فرغت من تبيان أسلوب القشد في المقال السالف. وقد آثرت أن يتلوه أسلوب اللقط مباشرة، لكونهما يندرجان معا تحت القراءة السريعة، وإن تباينت مقاصدهما. ولم أرتض إطلاق مسمى ”القراءة السريعة“ على أي من هذين الأسلوبين، لما في هذا اللفظ من إبهام لا يفي بتوضيح المراد. إذ كثيرا ما يتردد في محاضر العلم والعمل قولهم: ”اقرأ قراءة سريعة“، وهو كمن يقول: “سر سيرا سريعا!”، دون أن يبين لك إلى أين المسير؟ ولأجل ماذا؟. ولهذا رأيت أن أضع التسميات بشيء من التصرف والتهذيب، ليكون اللفظ خادما للمعنى، وعونا على فهم الغرض من وراء كل أسلوب.

ماهو أسلوب اللقط؟

هو قراءة خاطفة بغية الوصول إلى معلومة محددة سلفا. وتبدأ بمسح بصري سريع للأسطر، يركز فيه القارئ على رصد مؤشرات تهديه إلى بغيته. وينتهي المسح بمجرد العثور على المؤشرات المطلوبة. وبعدها يبدأ الالتقاط والاستخلاص، دون الالتفات إلى باقي الأفكار أو التفاصيل المحيطة.

متى ينفع أسلوب اللقط؟

  • عند تقصي فكرة/أفكار بعينها كائن ماكانت.

كيف يختلف أسلوب اللقط عن أسلوب القشد؟

يختلفان في الغرض ويتشابهان أكثر مما يختلفان.

الأسلوبالقشداللقط
سرعتةعاليةعالية
غرضهالغرض ثابت: الإحاطة بالصورة الكلية للنصالإحاطة بفكرة محددة في النص
المكتسب منهموضوعي من صلب النصموضوعي من صلب النص

مثال

فلنرجع لقطعة هارون الرشيد، واخترتها لأننا مررنا عليها سلفا. فلنر كيف يُقرأ النص نفسه بأسلوبين مختلفين.

بأسلوب القشد أجبنا عن سؤال: لماذا كتب هارون هذه الرسالة؟

إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه؛ فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.

الجواب: كتبها ليصف منهجا لمعلم ابنه. وهي الفكرة الكلية من النص.

قبل القراءة لا نعرف الفكرة الكلية من النص.

أما بأسلوب اللقط نجيب عن سؤال مثل: لماذا قال هارون لمعلم ابنه ألا يمعن في مسامحتة؟

المستفهم عنه هنا جزء وليس كل. وهذا الجزء معلوم من قبل القراءة فنمسح عنه بحثا لالتقاطه.

والجواب: لأنه يخشى عليه من أن يألف الفراغ. هدتنا لفظة المسامحة وفاء السببية فـيستحلي

اختصار المسح

النصوص الطويلة كالخرزات المنثورة ههنا وههنا، وجري العين يستهلك وقتا كلما كان النص ممتدا. ومن أجل ذلك، نتبع طريقة تختصر على البصر كلفة السفر بين السطور. فالأصل أننا نقرأ من اليمين إلى اليسار، فإذا بلغنا نهاية السطر، ارتدت أعيننا إلى اليمين لتستأنف السطر التالي،في حركة يصفها السهم الأحمر:


عوضًا عن ذلك، نوصي بمسح السطر الأول من اليمين إلى اليسار، ثم مسح السطر الذي يليه مباشرة من اليسار إلى اليمين، وهكذا دواليك في تعاقب مستمر. وقد يعترض معترض فيقول: كيف تستقيم القراءة هذا النحو المعكوس؟ فنرده إلى الأصل ونذكره بأنك في هذا المقام لا تقرأ. إنما تجيل بصرك تلمسًا لدلائل ترشدك إلى الموضع المطلوب، حتى إذا وقعت عينك عليه توقفت واستأنفت القراءة على وجهها الطبيعي.

هذه طريقة تنفع مع النصوص الطويلة وعند التقليب بين صفحات الكتب.


خصائص أسلوب اللقط

في أسلوب اللقط لاتكون السرعة سطحية ولا قصورا

إن السرعة الكامنة في أسلوب اللقط والقشد كذلك لا تعني بحال من الأحوال سطحية في التناول أو قصورًا في الفهم، بل مردها إلى أن الفائدة المرجوة تتحصل في زمن يسير. فلو فرضنا أن هارون قد أسهب في وصاياه حتى بلغت عشر صفحات، لما غير ذلك من حقيقة الأمر شيئًا؛ إذ بمجرد أن تجري أعيننا فوق النص، يتضح لنا أن نظم العبارات قد استقر على هذا الهدف المعين، فنخلص بظن عالي من الصحة إلى أنه الغرض الكلي من الكلام. ثم ماذا لو استترت جملة ”ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه“ في الصفحة العاشرة؟ لن يتبدل من الأمر شيء؛ لأن المعلومة إنما تكتسب باقتناص هذا الجزء بعينه من صلب النص، وهو أمر لا يتطلب غوصا أو بذل عناية في القراءة.

في أسلوب اللقط يتحد الفهم وينحسر التأويل

لأنه وليد الموضوعية المحضة؛ فالقارئ يستقي المعلومات كما أودعها الكاتب في صلب النص، دون إمعان في التحليل أو غوص في الدقائق. وهذا مايحول دون تشعب المفاهيم وافتراق الإجابات بين القراء حول النص الواحد. وكثيرا ما يضيق بعض الطلاب ذرعا فيقولون: ”ليست المطالعة كمعادلات الحساب أو علوم الكيمياء، فليس لها جواب واحد لا يتغير!“، فأقول لهم: بلى، ينبغي أن ينتهي الجواب إلى معنى واحد لايتغير ما دمت تنقل عن صاحب الكلام وتقيد نفسك بلفظه، دون أن تحمله ما لم يحتمل. وإن تباينت صياغة العبارة من شخص لآخر، فإن المعنى يبقى ثابتا لا يتبدل؛ ذلك أن أسلوبي القشد واللقط لا يتسعان للتأويلات الشخصية، ولا يلتفتان إلى ما يسمى بالقراءة بين السطور، إذ الغرض منهما موضوعي صرف. وسنرجئ الحديث عن أساليب القراءة التي يفسح فيها المجال للتمعن والاستشفاف الذاتي إلى موضع آخر.

في أسلوب اللقط نبحث عن المعنى بهداية الألفاظ

قد يقع في الوهم أن قراءة اللقط يسيرة تطارد الألفاظ كما هي، بل لعلها أكثر الأساليب التي يبتذلها الطلاب على نحو سطحي؛ إذ بمقدور أي امرئ أن يتصفح نصًا مطولًا عن زوال دولة من الدول ليجيب على سؤال زمن سقوطها، فلا يحتاج من الأمر إلا إلى إجالة البصر في الأسطر ترقبًا للتاريخ، سواء جاء مرقُومًا بالأعداد: 656 هـ أو مكتوبًا بالعبارة: سنة ستمائة وستة وخمسون. بيد أن الحقيقة مغايرة لذلك، فهي ليست مجرد بحث آلي أعمى يحاكي البحث الرقمي، بل إن القارئ إنما يرجو التقاط فكرة بعينها، ولا يطارد ظاهر الألفاظ والمفردات.


أمثلة وتمارين

ليست هذه المقالات سلسلة إعداد لاجتياز اختبارات المطالعة. وإنما آثرت أسلوب الأسئلة، وإيراد تضارب إجابات الطلاب عليها وما يداخله من امتعاض، ليكون أدعى لتثبيت الغرض؛ فالمراد أن يغرس في روع القارئ أهمية القراءة بمقصد مبيت سلفا، يعقد عليه العزم وهو يجول ببصره بين النصوص، وهو كنه القراءة اليقظة. ومن أجل ذلك، سأورد مثالين مفتوحي الجواب، ومثلهما من مقفولي الجواب، والقطعة الواحدة تتعدد عليها المسائل.

أمثلة بإجابات مفتوحة

المثال الأول

—  يقول النص إن ثلثي الناس يرصد المتكلم دون كلامه ولايتدبرون فحواه. مالسبب وراء ذلك؟

واعلم أن المستمعين من آفاتهم إعمال الرصد الخفي، والالتفات إلى سمت المتحدث وهيئته دون تدبر حقيقة كلامه. وقد انتهى إلينا في بعض الآثار الحديثة أن زهاء ثلثي الناس إنما يشغلهم المتكلم والالتفات لعوارضه، فترى جل أثر الكلام ونفاذه في القلوب مرتبط بحسن النبرة وبهاء الكسوة لا لجوهر الكلام ومحصوله. والعجب أن العبد إذا أوتي حظا من حلاوة الأسلوب وجاذبية الصوت، تهافت الناس على قبول رأيه تهافت الفراش على الضياء، وإن كان في حجاجه عوار ظاهر وخلل بين. وما أفلح في إعمال النظر وتفتيش المعاني من الحاضرين إلا النفر القليل، وذلك أن جبلة الناس مائلة إلى الدعة، مستثقلة للكد وإعمال الفكر، فترى النفس تستسهل الحكم على المتكلم بظاهره وما يلوح عليه من أمارات طلبا للراحة. وهذا العارض هو الذي يوقع المرء في توهم الفضيلة بغير دليل، فيقبل الخبر لاستحسانه منزلة مخبره لا لصدق في ذاته.

بحسب النص فإن السبب هو:

أ) أن الرصد الخفي من آفات المستمعين.
ب) أن نفاذ الكلام في قلوب البشر إنما يقع بحسن النبرة وبهاء الكسوة.
ج) أن الناس تكره التعب وتريح نفسها من التفكير.
د) أ و ب، كلاهما صحيح.
هـ) النص لم يوضح السبب بشكل محدد.

الإجابة:
لماذا أ. خطأ؟ العبارة أ. ما وردت في النص بصيغة سببية. لخلوها من ألفاظ السببية مثل ”ذلك سببه “ كذا، أو ”جراء“ كذا، أو ”فـ“ السببية، أو ”لأن“ كذا ، أو ”إنما هو“ لكذا إلخ. لماذا ب. خطأ؟ النص لم يتطرق إلى الفكرة مطلقا: النص لايتكلم عن طرق تقبل الناس للكلام. بل إن السؤال قد أسس سلفا: الناس ترصد المتكلم وتترك الكلام. ومع ذلك قد يخطئ قارئ بصحة الخيار ب لأنه يستعير ألفاظ النص بشكل قريب جدا رغم بعده عن المعنى وتحميله ما لم يتحمله. لماذا ج. صحيحة؟ لأن العبارة ج وردت بصيغة سببية ” وذلك أن جبلة الناس مائلة إلى الدعة، مستثقلة للكد وإعمال الفكر، فترى النفس تستسهل الحكم على المتكلم بظاهره وما يلوح عليه من أمارات طلبا للراحة. لماذا هـ. خطأ؟ لأن النص وضح بشكل محدد ”وهذا العارض هو الذي يوقع المرء في توهم.


المثال الثاني

— اقرأ المراسلات التالية بين الطرفين وأجب:

1) لماذا غيّر مكان اللقاء؟
2) ما هو يوم اللقاء المناسب لهيثم؟
3) هل يوم الأحد هو اليوم الأكثر مناسبة للأطراف؟
4) هل حضر هيثم؟
5) هل حضر أحمد وعامر؟

عندما تكون الأسئلة متعددة لنص قصير مثل هذا. فإنه لاضير في محاولة الإجابة عنها دفعة واحدة. أما إذا كان النص طويلا، فيفضل قراءة سؤال واحد والتقاط جزئيته ثم الانتقال للثاني وهكذا دواليك. لتجنب التشتت. فحضور مقصد واحد مبيت في الذهن يسهل المسح والالتقاط بكفاءة.

سلام أخي هيثم. غيرنا مكان اللقاء ليكون قريبا منك. سنلتقي في المركز التجاري صالة المطاعم. يوم الأحد الساعة السابعة مساء. أحمد وعامر قالا بإنهما سيأتيان. أسامة لم يرد بعد. أنتظر ردك أنت أيضا.

وعليكم السلام، الأحد جدولي مزدحم. هل يمكن التغيير إلى الأربعاء؟

صعب، قد نسقنا مع البقية.

خير سأؤكد لك في المساء إن شاء الله. شكرا محمد.


الإجابة:

1) غيّر مكان اللقاء، ليكون قريبا على هيثم. 2) يوم اللقاء المناسب لهيثم هو الأربعاء.

أما ثلاثة: 3) فغير معلوم. قد يشكل الجواب على الطلاب ويثير استياءهم، كيف غير معلوم؟ النص ذكر كثير من التفاصيل!
أستطيع أن أجد اليوم الأكثر مناسبة بتحليل السطور فأنظر في الأطراف الخمسة. اثنان أكدا الحضور (أحمد و عامر) زائدا المنسق (محمد- مؤكد لحضوره ضمنيا). أما أسامة فلم نسمع منه وهيثم سيرد لاحقا في المساء وهكذا صار لدينا ثلاثة من أصل خمسة مما يعني أن الأحد هو الأكثر مناسبة لجميع لأطراف. ثم يذهب طالب آخر أبعد مما ذهبت ويقول من الوارد أن الأحد هو الأكثر مناسبة كونه اختير يوما للقاء، ومن الوارد اضطرراهم إليه رغم عدم مناسبته! هيثم يريد يوم الأربعاء ولكن هاهو يحاول الحضور يوم الأحد، إذن عدم المناسبة لايقتضي عدم الحضور!! وكم منا من حضر أيام من المناسبات وهي غير مناسبة. وخذ من هذا المنوال إلى أن ترى إشكالية تكلف التحليل والاستشفاف في غير محله. نستحضر قاعدة: أسلوب اللقط موضوعي بحت. و مادام النص لا يصرح بأن يوما ما بعينه هو الأكثر مناسبة لكل الأطراف. نجيب بغير معلوم.
4) هل حضر هيثم؟ غير معلوم. فقد انتهى النص عند التنسيق للقاء.
5) هل حضر أحمد وعامر؟ من الوارد. لأنهما أكدا حضورهما ولكن يبقى النص مقطوعا عند مرحلة التنسيق.



تمارين بإجابة مقفلة

لاضرورة لصياغة الجواب، امسح لتلتقطه من صدر النص.

— اقرأ القطعة التالية وأجب:
1) ما الذي يندثر وسط العولمة وتوسع الاتصال بين الناس؟

2) ماوجه تشبيه الكاتب العولمة بالاحتلال؟
3) ماذا يقصد بالنخلة التي يراد لها أن تثمر زيتون؟

4) ما الأمثلة التي أوردها ليوضح إحلال هوية جديدة؟
5) هل يرى الكاتب أن الشعوب متضايقة من تغول العولمة؟ ولماذا؟

قال الجاحظ: ”الناس أشبه بزمانهم منهم بآبائهم“، وما أصدق هذا القول حين أتأمل زماننا هذا! فإني أرى التوسع المتسارع في فرط الاتصال بين الناس، والاستهلاك العالمي، قد غدا يعمل شيئا فشيئا عمل المحتل، يطمس الثقافات المحلية المغايرة له، ليحل محلها هوية عالمية ، هوية تسربت إلى النفوس عبر العلامات التجارية، وخوارزميات وسائل التواصل، ووسائل الإعلام غربية المركز، حتى بلغت كل صقع من أصقاع الأرض.

وجراء ذلك أخذت اللغات الفريدة، والأنماط والفنون المعمارية، والأعراف والآداب المحلية، تندثر سراعا في صمت، لا نكير عليها ولا مستدرك. وكذلك الشعوب إذا خُلعت عن أعرافها ولغاتها وفنونها، وأُلبست لبوسا موحدة مستوردة، صارت كالنخلة أريد منها أن تثمر زيتونا، فلا هي أثمرت ما خُلقت له، ولا استطاعت أن تكون غير طبيعتها.

ولأن الشعوب في راحة من النقد والتحدي الفكري، تتجلى مظاهر هذا التغول: يسلم الناس عقولهم لمنابت متطابقة رقميا في محتواها، ويبتاعون أزياء متشابهة، ويطعمون في مطاعم الوجبات السريعة عينها في كل بلد، ويسعون خلف نزعات رائجة واحدة.

أما التعبير الشخصي والاستقلال الثقافي فيذويان بطيئا، حتى ينقرضا ويفنيا، ليحل محلهما نمط مؤسسي موحد، فُرض بقوة التغول، وتُبعت له الشعوب طوعا لا كرها.


فتح الإجابة

1) ما الذي يندثر وسط العولمة وتوسع الاتصال بين الناس؟
وجراء ذلك أخذت اللغات الفريدة، والأنماط والفنون المعمارية، والأعراف والآداب المحلية، تندثر سراعا في صمت

2) ماوجه تشبيه الكاتب العولمة بالاحتلال؟
المحتل يطرد أهل الأرض ويحل محلهم. العولمة تطمس الثقافة المحلية وتحل محلها. ”قد غدا يعمل شيئا فشيئا عمل المحتل، يطمس الثقافات المحلية المغايرة له، ليحل محلها هوية عالمية.

3) ماذا يقصد بالنخلة التي يراد لها أن تثمر زيتون؟
يستعمل المثال لتشبيه الشعوب التي تحاول انتحال طبيعة ليست طبيعتها ” الشعوب إذا خُلعت عن أعرافها ولغاتها وفنونها، وأُلبست لبوسا موحدة مستوردة، صارت كالنخلة أريد منها أن تثمر زيتونا، فلا هي أثمرت ما خُلقت له، ولا استطاعت أن تكون غير طبيعتها.

4) ما الأمثلة التي أوردها ليوضح إحلال هوية جديدة؟
يلبسون اللباس نفسه، يرتادون المطاعم السريعة، يتابعون المصادر الرقمية نفسها ”تتجلى مظاهر هذا التغول: يسلم الناس عقولهم لمنابت متطابقة رقميا في محتواها، ويبتاعون أزياء متشابهة، ويطعمون في مطاعم الوجبات السريعة عينها في كل بلد

5) هل يرى الكاتب أن الشعوب متضايقة من تغول العولمة؟ ولماذا؟
لا يراها متضايقة. يصفها بأنها لاتنكر ولا تستدرك اندثار الهوية المحلية:
تندثر سراعا في صمت، لا نكير عليها ولا مستدرك
يفسر السبب: ”لأن الشعوب في راحة من النقد والتحدي الفكري


التمرين الثاني

— اقرأ القطعة التالية من كتاب طوق الحمامة وأجب:
1) كيف يرى الكاتب الحب الذي يأتي من نظرة واحدة؟

2) كيف يرى الكاتب الحب الذي يأتي مع المطاولة؟
3) من الذي يستعمل الهجر إذا أحس بابتداء الهوى؟ ولماذا؟

4) يقول الكاتب ”وقد استراح من لم تكن هذه صفته. ماهي هذه الصفة ولم يستريح من لايتصف بها؟

ومن الناس من لا تصح محبته إلا بعد طول المخافتة، وكثير المشاهدة، ومتمادي الأنس، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي، فما دخل عسيرا لم يخرج يسيرا، وهذا مذهبي.. وقد جاء في الأثر: أن الله – عز وجل – قال للروح – حين أمره أن يدخل جسد آدم، وهو فخار، فهاب وجزع -: ادخل كرها واخرج كرها. حدثناه عن شيوخنا.

ولقد رأيت من أهل هذه الصفة من إن أحس من نفسه بابتداء هوى، أو توجس من استحسانه ميلا إلى بعض الصور؛ استعمل الهجر، وترك الإلمام، لئلا يزيد ما يجد فيخرج الأمر عن يده، ويحال بين العير والنزوان. وهذا يدل على لصوق الحب بأكباد أهل هذه الصفة.

وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حبه إلا ضربا من الشهوة، وأما أن يكون – في ظني – متمكنا من صميم الفؤاد نافذا في حجاب القلب فما أقدر ذلك، وما لصق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل، وبعد ملازمة الشخص لي دهرا، وأخذي معه في كل جد وهزل.وكذلك أنا في السلو والتوق، فما نسيت ودا لي قط، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء، وقد استراح من لم تكن هذه صفته.

وما مللت شيئا قط بعد معرفتي به، ولا سرعت إلى الأنس بشيء قط أول لقائي له، وما رغبت الاستبدال إلى سبب من أسبابي مذ كنت، لا أقول في الألاف والإخوان وحدهم؛ لكن في كل ما يستعمله الإنسان من ملبوس ومركوب ومطعم وغير ذلك، وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وإنه لشجى يعتادني، وولوع هم ما ينفك يطرقني، ولقد نغص تذكري ما مضى كل عيش أستأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا. والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو.

فتح الإجابة

1) كيف يرى الكاتب الحب الذي يأتي من نظرة واحدة؟
يتعجب منه ولايصدقه ويعتبر شعوره ضربا من ضروب الشهوة.
وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حبه إلا ضربا من الشهوة

2) كيف يرى الكاتب الحب الذي يأتي مع المطاولة؟
يراه أصدق وأثبت ولا ينتهي بسرعة. ”وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي، فما دخل عسيرا لم يخرج يسيرا.

3) من الذي قد يستعمل الهجر إذا أحس بابتداء الهوى؟
أهل الحب مع المطاولة، ”ولقد رأيت من أهل هذه الصفة […] استعمل الهجر، وترك الإلمام، .
ولماذا؟ لأنهم يخافون على نفسهم من تغلب الحب عليهم. ”لئلا يزيد ما يجد فيخرج الأمر عن يده وهذا يدل على لصوق الحب بأكباد أهل هذه الصفة

4) يقول الكاتب ”وقد استراح من لم تكن هذه صفته“. ماهي هذه الصفة؟
البقاء على الحب وثباته، ”فما نسيت ودا لي قط، […]، وقد استراح من لم تكن هذه صفته.
ولم يستريح من لايتصف بها؟ لأن مشاعر الحنين والتوق تنغص عليه العيش. ”وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء
وكذلك: ”وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة وغيرها من شواهد في النص.


أذكياء اللقط في الواقع

إن في واقع الناس لنمطا من أولي الحذاقة، يطبقون أسلوب اللقط في سائر أعمالهم بكل كفاءة وإتقان، إذ غدا هذا الأسلوب جزءا لا يتجزأ من صناعتهم. فتأمل بعض الأطباء الذين يتعاقبون على عيادة المرضى، وتختلف بين أيديهم الأسقام ؛ فبينما يمتد أمام أحدهم تقرير طويل يضم تاريخ الحالة المرضية من مبدئها، تراه يجول ببصره ليلتقط الجزء المنوط بتخصصه، ثم يحيل ما عداه إلى ذوي الاختصاص من زملائه. وتدبر شأن رجل القانون حين يعكف على مراجعة عشرات العقود والوثائق، فهو لا يغرق في فضول الكلم، وإنما يقتنص البنود الحاكمة والشروط الملزمة، ليتثبت من خلو الوثيقة من كل عيب أو خلل قبل إبرام العقد. وانظر إلى قادة الأعمال في مواجهة سيل المراسلات اليومية الكثيرة، كيف يتصفحونها تصفحا خاطفا، فيلتقطون منها ما وجب الرد عليه لضرورته، ويرجئون ما دون ذلك إلى وقت سعة.

ثم تعجب بعد ذلك كله من حال الخامل البليد، الذي يعجز أن يقتطع من يومه بضع دقائق يلتقط فيها من بطون الكتب فوائد ترفع من علمه، وتحسن فهمه؛ وما ذاك إلا لأنه يرى المطالعة عبئا باهظًا يثقل كاهل دماغه الكسول، فاختار أن يريح نفسه منها بالكلية، فحرم بركتها.

في الختام

بناءً على ما تقدم، يتضح أن قراءة القشد واللقط هما الفارق الحقيقي بين السرعة السطحية والسرعة الواعية الموجهة بمقصد مبيت. إنها مهارة العقلاء في إدارة تدفق المعلومات ودقة مسلكهم في اقتناص الفكرة. وسننتقل من فضاء الموضوعية المحضة التي تميز بها أسلوبي القشد واللقط، لنبحر في أساليب قراءة أخرى، يفسح فيها النص صدره للتمعن، والاستشفاف، وإعمال الرأي الذاتي.