التقطت مشهد المكتبة الجامعية أثناء خروجي للذكرى

بيني وبين الطعام والنوم خصومة قديمة، أقدم مما أذكر، كأنها ولدت معي. هاتان الحاجتان اللتان لا يقوم البدن إلا بهما كانتا أشد ما نغص علي تجاربي وأفسد علي لحظاتي. كم من عمل بدأته بشغف فقطعه علي نعاس، وكم من فكرة كانت تتشكل في ذهني فبددها جوع.

أقبل على الأمر الذي أحبه، وألقي فيه عقلي ووجداني، فإذا بالنعاس يتسلل إلى جسدي من حيث لا أحتسب. لا يهجم دفعة واحدة، بل يزحف كما يزحف المرض. يبدأ ثقلا خفيفا في الأجفان، ثم بطئا في الفكر، ثم تنزلق الجملة التي أقرؤها من بين يدي فأعيدها مرة ومرتين ولا أمسك بمعناها. يسقط التركيز أولا، ثم يتهاوى الفهم، ثم لا يبقى من الحماسة إلا ذكراها. وأنا أعلم في كل مرة أن هذا ليس تعبا من العمل، بل هو البدن يطالب بحقه في أسوأ الأوقات.

وقد قالت إحدى الشخصيات الخيالية التي أجلها كثيرا: ”لطالما بغضت الحاجة إلى النوم؛ كالموت، يطرح أشد الرجال صلابة على ظهورهم“. ولم أقرأ عبارة أصدق منها في وصف ما أجد. فالنوم يشبه الموت في أنه لا يستأذن أحدا، ولا يفرق بين القوي والضعيف، ولا يبالي بما في يد صاحبه من عمل لم يتم.

أما الطعام فليس خيرا من صاحبه. ولا أعترض على ما قدره الله، لكني لا أحب منظر الإنسان وهو يأكل. يبدو فيه كائنا آخر غير الذي يفكر ويتأمل ويحاور، كأن عقله قد غاب وبقي فكاه يعملان. والجوع لا يقل مكرا عن النعاس. يبدأ إشارة خفيفة يسهل تجاهلها، ثم يكبر شيئا فشيئا حتى يستولي على الانتباه كله، فلا يعود المرء قادرا على شيء حتى يملأ معدته كما يملأ الخزان بالوقود، ثم يعود ليؤدي ما كان يؤديه قبل أن ينقطع. وقد لا يعود!! ، فللهضم وقته وأثره على الدماغ، إذ يصرف الجسم طاقته في امتصاص الغذاء، فيثقل الذهن ويفتر، وإذا بالشبع يرسلني إلى النعاس الذي كنت أفر منه. وكأن الخصمين متواطئان، يسلم أحدهما المهمة للآخر.

وأعلم أن أكثر الناس يجدون في هاتين الحاجتين لذة، لكني وجدت فيهما منذ صغري شيئا آخر. وجدت فيهما سلطة على إرادتي لم أخترها، وقيدا يذكرني كل يوم بأن لي سيدا غير إرادتي.

ثم كبرت، والحمد لله، واتسع فهمي لحاجات الإنسان. فرأيت أنها عند كثير من الناس، وإن لم أكن منهم، نعم يمتع الله بها عباده. ورأيت من جهة أخرى أنها تذكير دائم بحقيقتنا، بضعفنا وافتقارنا وحدود قدرتنا. فالكائن الذي يقضي ثلث عمره نائما، ولا يصمد أياما بلا طعام، لا يملك أن يغتر بقوته. ولهذا نزه الله نفسه عن الأكل والنوم، فقال: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، وقال: ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾. فالحاجة علامة النقص، والغنى عنها صفة الكمال. ومن هنا كان عجزنا أمامها درسا في التواضع قبل أن يكون عائقا عن العمل.

وتعلمت كذلك أن الطعام والنوم لا يطلبان لذاتهما، بل هما وسيلتان يتوصل بهما إلى غيرهما من المعاني السامية والغايات الشريفة. من نام ليقوم إلى عمله أنشط كان نومه جزءا من عمله، ومن أكل ليتقوى على ما ينفع كان طعامه من سعيه. فليست المسألة أن أحبهما أو أبغضهما، بل أن أضعهما في موضعهما، خادمين لا مخدومين.

ومع ذلك لم تنته الخصومة تماما. فما زلت إلى اليوم إذا غلبني النعاس ضقت به، ولا أذهب إلى فراشي من تلقاء نفسي أبدا. واليوم كنت في مكتبة الجامعة أعمل، وقد حققت في مشروعي تقدما أسعدني، فهممت أن أمضي فيه لا ألتفت إلى شيء. لكن زميلي أوقفني وقال: هيا، يكفي يا فلان. انظر كيف صار وجهك! عد إلى بيتك، كل ونم، وغدا نتابع. ولم يكن في كلامه ما أرد به، فقد رأى في وجهي ما كنت أتجاهله في جسدي. عدت إلى البيت، فاغتسلت، وأكلت قليلا، ثم جلست أكتب هذا المقال قبل أن أستسلم، لأفرغ ما في صدري على خصمي اللدود. فإن كان لا بد أن يغلبني الليلة، فليغلبني وقد قلت فيه كلمتي.