مفارقات منطقية | هل بقيت السفينة أم زالت؟

سفينة ثيسيوس
لندرس واحدةً من أقدم المفارقات المنطقية، أوردها المؤرخ اليوناني بلوتارخ (نحو 46-120م) عن بطلٍ يُدعى ثيسيوس، من أساطير اليونان العريقة. وتتلخص المعضلة فيما يلي: حُفظت السفينة التي أبحر بها ثيسيوس عائداً من جزيرة كريت، في مدينة أثينا، زمناً طويلاً. وفي أثناء ذلك، كانت الألواح الخشبية القديمة المتآكلة تُزال واحداً تلو الآخر، وتُستبدل بألواحٍ جديدةٍ مطابقة للأصلية. مع مضي الزمن، استُبدلت جميع الألواح بألواحٍ جديدة، ولم يبقَ للألواح القديمة أثرٌ البتة.

فطرح بلوتارخ سؤاله: أيصحّ أن نسمّي هذه السفينة ”سفينة ثيسيوس“؟
وهذه المفارقة متعلقةٌ بما يُعرف بـ”محددات الهوية“. وقد طُرحت في حلّها طرائق شتى منذ اليونان القديمة، غير أن الجواب يبقى دوما رهينا باعتبار الناظر، وأيّ جانبٍ من المسألة آثر التركيز عليه.
— فيقول قائل: نعم، هي السفينة ذاتها؛ لأن التغيير جرى على فترات من الزمن، أما لو فُكّكت دفعةً واحدة وبُنيت من جديد، فما عادت السفينة نفسها.
— ويقول آخر: بل ليست هذه سفينة ثيسيوس؛ إذ ليست ألواحها هي التي ركبها ثيسيوس عابرا غمار البحر.
— فيردّ الأول: أفلو أخذنا الألواح القديمة المفكّكة، وجمعناها على هيئة السفينة الأصلية مطابقةً، أفتقبلها حينئذ سفينة ثيسيوس؟
— فيُعدّل الثاني جوابه: لا، فليست هي؛ لأن الصانع قد اختلف.
— فيقول الأول: ولو رُكّبت من جديد على يد الصانع الأصيل نفسه، أفتعدّها إياها؟
— فيقول الثاني: لا، لتباعد الزمن.
— فيقول الأول: أفرأيت لو فُكّكت مباشرةً عقب وصول السفينة إلى اليابسة…
وهكذا تنطلق سجالات في تحديد ”المُشخِّصات“، وهي ما يُكسب الشيء هويته المتفردة. فمثلاً، لو قلتُ لك: أغمض عينك ثم افتحها، ففعلت، ثم قلتُ لك: أغمضها ثم افتحها مرة أخرى، فمع أن الفاعل واحد، والفعل واحد، فلا يصح أن نعدّ الغمضتين غمضةً واحدة؛ إذ يتخللهما زمن. ففي هذه الحالة، يكون الزمن هو المُشخِّص الذي يحدد هوية كل غمضة.
فما قولك في مسألة السفينة؟
أرى أن في اللغة التي سُردت بها المسألة جواباً كافياً؛ فالسفينة التي ركبها ثيسيوس ما عادت موجودةً بهيئتها الأصلية، وأمامنا سفينةٌ رُكّبت بالتدريج على أثر السفينة الأصلية: الأخشاب القديمة صار مكانها كذا، والأخشاب الجديدة رُكّبت كذا. وما سوى هذا، فليس إلا تصوراتٍ في أذهان المتفلسفين، وكلٌّ منتصرٌ لما ارتسم في عقله من صور.
آلاف السفن وآلاف المسائل من واقع الحياة
ومع أني أبغض هذا الضرب من التفلسف، المشغول بالتعريفات والمُشخِّصات، فإن الحياة زاخرةٌ بألوانٍ من الخلافات القانونية القائمة على هذا الأساس عينه. فحين تُشترى الشركات، تنتقل علامتها التجارية إلى المالك الجديد. فإذا أجرى المالك الجديد تغييرات كبرى – ولا سيما إن كان الشراء بسبب الإفلاس – انهالت القرارات القاصمة للمصروفات دفعة واحدة. وقد حصل هذا لإحدى الشركات، إذ سرّحت اليد العاملة المحلية، واستعاضت عنها بمصانع في الصين، تستعمل مواد كيميائية أرخص وأخرى تماما عن سابقتها. وكل هذه التفاصيل غائبةٌ عن المستهلك، الذي لا يزال يعرف المنتج بأمارة شعاره، ليُفاجأ بأن المنتج الذي عرفه قد اختفى بالكلية، ولم يبقَ منه إلا الاسم.
وكذلك الحال في بعض الدول التي تحمي المعمار الأثري، وتسنّ قوانين تحظر إزالته أو تشويهه؛ فلا يُسمح للمطورين بتغيير أكثر من عُشر المبنى الأصيل، بدعوى الترميم والصيانة. فيتحايل المطورون على هذه الثغرة القانونية، ويُحدثون تغييراتٍ متدرجة شيئاً فشيئاً، حتى إذا تقادم الزمن، لم يبقَ من أثر المبنى شيء.
شركة بولارويد

من أمثلة العلامة التجارية لشركة “بولارويد” وشريطها الملوّن. اشترى المستهلكون الكاميرات ظانّين أنهم يحصلون على جودة العدسات التي اشتهرت بها هذه العلامة التجارية العريقة. غير أن الحقيقة أن هذا المنتج لم يكن له بالشركة الأصلية أي صلة؛ فالعلامة التجارية لم تضمن سوى هويةٍ وهمية، أما مكوّناته الأساسية فلم تكن إلا بدائل رخيصة عادية.
حانة كارلتون
في كيلبرون لندن تصدى مجلس المدينة للتحايل وأصدر أمرًا قانونيًا تاريخيًا غير مسبوق يُلزم المطورين بإعادة بناء الحانة طوبة طوبة! تمامًا كما كانت عليه في السابق. وباستخدام صور تاريخية أصلية وطوب مُستعاد. شيّد البناؤون نسخة طبق الأصل مثالية، وأُعيد افتتاحه بنجاح عام ٢٠٢١.


بدر الأمثلة وعروسها
وماذا عن بدر الأمثلة وعروسها ؟ أعني التوليد الذكي؟ إن النماذج اللغوية تغترف من مليارات النصوص والمقالات والكتب والصور، مما ألّفه بنو آدم، وهي محميةٌ بحقوق الطبع والنشر، ويزعم مطوّرو الذكاء الاصطناعي أنها لا تحتفظ بها كما هي، بل تحلّلها إلى أوزانٍ وأنماطٍ رياضية، ثم تعيد بناءها من جديد.
يفتح أحدهم الشاشة ليدردش مع الذكاء الصناعي، فيلقي إليه رؤوس أقلام من فكرته: واحد، اثنان، ثلاثة، فيقول:”انسج لي مقالاً، فينسجه. ثم يقول: ضع مراجعه، فيضعها. ثم يقول: أنتج لي صوراً أُرفقها معه، فيُرفقها. ثم يزعم بعد ذلك أن هذا كله من عمل يديه!
فكم أعجب من أمثال هؤلاء! قلتُ لأحدهم ذات مرة: ما الفرق بين صنيعك هذا، وبين أن تدفع المهمات ذاتها إلى إنسانٍ، فينجزها لك؟ أفتقول حينئذٍ إنها من صنعك أنت؟
فقال: لا، بل من صنعه هو. قلتُ: فما الفرق إذن؟ إنها المسألة عينها؛ أنت لا تفعل شيئاً سوى الإملاء، ولم تُنتج من عقلك حرفاً واحداً، بل أنت في النهاية لا تدري حتى كيف ستكون المخرجات! فابتسم بغباءٍ لا يخفى.
ولو أني ألقيتُ نظرةً خاطفة على مصنوع الذكاء الصناعي، لميّزته للتوّ؛ فله ملامحه الخاصة، وأنماطه المتكررة الفاضحة في مخرجاته، سواء أكانت صوراً أم كتابات. فهو، على فرط زعمه الإبداع، لا يُنتج إلا صدى لنفسه، يلوك ما لاكه من قبل، ويخرجه في كل مرة بثوب يظنّه المرء جديدا، وما هو في الحقيقة إلا القديم ذاته، مُعاد التقطيع والتلوين.
ولعل أطرف المفارقات أن الذكاء التوليدي قد يقتل نفسه في نهاية المطاف؛ فقد وثّق علماء الحاسوب ظاهرةً أسموها ” انهيار النموذج“، حيث يؤدي التدفق المتواتر السريع لمنتوجات الذكاء الصناعي إلى اكتظاظ الشبكة به، فتغدو النماذج الأحدث متدربةً على بيانات ولّدتها نماذج أقدم، بدلاً من نتاجٍ بشري خام جديد. ويقول العلماء إنه في غضون ستة أجيال أو سبعة على الأكثر، ستتدهور هذه المولدات، وتغدو مخرجاتها متكررةً على نحو رتيب بل ومعطوبة.
الخلاصة
وكل هذا يشهد – سواء في العالم الرقمي أو المادي – بأن تغيّر الجوهر والمكنون الأصلي لا يمكن إخفاؤه بالتسميات، ولا التحايل عليه بالمشخصات والاعتبارات، وأن القناع الظاهر، مهما طالت خدعته، فمصيره الانهيار في النهاية. فسواء أكانت ”سفينة“ من خشب، أم علامةً تجارية، أم مبنىً أثرياً، أم نموذجاً ذكياً يقتات على نتاجه الخاص، فإن السؤال واحد: أيّ قدرٍ من التبدّل يُبقي على الهوية، وأيّ قدرٍ منه يمحوها؟ والحقّ أن الجواب ليس في تعريفٍ جامعٍ مانع، بل في وضوح اللغة التي نصف بها الواقع؛ فمتى قلنا بصدق: ”هذا الذي أمامنا هو كذا، تبدّل منه كذا، وبقي منه كذا“، استغنينا عن جدال المتفلسفين. وأما الاسم إذا بقي وحده، بعد أن زال ما وراءه من جوهر، فليس إلا قشرةً فارغة، توهم من لا يعرف حقيقة ما جرى، وتُطمئن من يريد أن يُخفي التبدّل خلف الثبات الظاهر. وفي هذا عبرةٌ لكل ناظرٍ في أمور الحياة: أن يسأل دوماً عمّا بقي حقاً، لا عما بقي اسماً فحسب.
منطق وألغاز
لا توجد تعليقات بعد.