القراءة اليقظة

ياخبير القراءة أنت!

لست في هذه التدوينة أبتدع قولا جديدا، ولا أدعي أنه من بنات فكري وابتكار قريحتي، وإنما هي معارف جمعتها من هناك وهناك. أحاول أن أسوقها من باب النفع وإسداء النصح. فقد كثر في الناس من يقول إنه يتوق إلى استكثار القراءة والتعمق بين الكتب، ولكنه يشكو إرهاقا وتشتتا في الذهن من ضغوطات وضيق وقت، على أنه يجد في يومه متسعا لغيرها من الشواغل! وهذا زادني شكا في أن العلة هي أسلوب القراءة؛ إذ إن جل من يستثقلون القراءة ويتبرمون من الكتب، إنما يأتونها بقلوب ساهية وأنفس لاهية، والقراءة الساهية جالبة للملل، مجهدة للذهن لا طائل منها.

وهناك صنف آخر لديه يقظة في قراءته، ولكنه بحاجة إلى شحذ ملكته وتنويع أسلوبه في الطلب، وهي خصلة كنت أنا أول المبتلين بها، ولا أزعم أني بلغت فيها مستوى يرضيني، ولكنها فتحت لي بابا من التطور وبصَّرتني بعيوبي. وإن مقالتي هذه تمهيد تتبعه مقالات أودعها جملة من التمارين وأتبعها بأجوبتها، ليمتحن الطالب بها نفسه؛ أو يطبقها المعلمون والمربون. فمن يدري لعلهم غفلوا كما كنت أنا عن بعض الأساليب النافعة، أو لعلهم يملكون من الأساليب ما لم أقف عليه أنا، والغرض الأسمى في النهاية أن نتعلم.

ماهي القراءة الساهية؟

إن القراءة على ضربين: قراءة ساهية وقراءة يقظة، فأما القراءة الساهية فمثالها كمثل من يركب حافلة إلى مكان الاجتماع وهو لاه وساه، يرسل طرفه وراء السابلة بلا بغية ولاهدف، ثم إذا وافى الاجتماع دخل مع غمار الناس ومرت بسمعه الأحاديث فتدخل أذنا وتخرج من أخرى، والتقط بصره من المشاهد ما التقط ثم عاد راجعا. ولأن قلبه كان لاهيا وعقله غائبا التبست عليه الأحوال. فإذا سأله سائل بعد أن عاد. كيف كان اجتماعكم اليوم؟ عجز أن يؤلف بين كلمتين لأنه لم يتدبر من أمره شيئا. أما القراءة اليقظة فصاحبها كالملاّح الماهر يسيّر المركبة لغاية معلومة وبغية مرسومة، عينه تراقب المسالك بنظر ثاقب وعقله يستجلي المقصد ويحكم فيما يطالع حكما دقيقا.

إن تشبيهي هذا ليس بكلمات مرصوفة بل حقيقة معروفة. أما يمر عليك في أكثر من موضع من يقرأ مقالة أو يسمع طرحا، فيأتي في رده بما لا يوافقها شكلا ولا معنى، ولا يمت إلى المقصد وصلا ولا فصلا؟ مع إن الكلام واضح وفصيح، يجتزئون منه ما يخرجه عن حده الصحيح، أويحرفونه عن مساقه، أويحملونه على غير محامله. وكل هذا خلل في أسلوب القراءة بحاجة إلى إصلاح.

إصلاح القراءة في الصغر

إني لأذكر أيام المدرسة،كيف كان المعلم يدفع إلينا قطعة من النصوص ويمهلنا وقتا للقراءة، ثم يبدرنا بالسؤال: ’’ماالذي يتناوله هذا النص؟‘‘ فإذا بعامة الطلاب يقتطعون العبارات من جسد النص ويسردونها كما هي بغير دراية. فيصيح بهم المعلم: ’’ما سألتكم أن تعرضوا علي اللفظ حرفا، إنما سألتكم عن لب المعنى ماذا يريد أن يقول الكاتب؟‘‘ ثم يتتابع الآخرون بإجابات بعيدة عن المقصد. ونعم، كان فينا من يجيب بالصواب، ولكنهم كانوا غالبا قلة معدودة. كانت المادة الدراسية تسمى في المرحلة الابتدائية بالـ’’مطالعة‘‘ وفي المتوسطة كتاب ’’النصوص‘‘، وكان تعامل الطلاب مع ما يقرأونه آليا للغاية وفي أوقات كثيرة كانت الإجابات تحفظ حفظا. تخرجت وكبرت وخالطت غيرنا من الشعوب ووجدتهم يشددون على المسألة فجعلوا مدار تعليم القراءة في السنوات الأولى للطفل أن يصيب هدفين اثنين: القراءة والاستيعاب؛فكتاب المنهج بالإنكليزية (Reading and comprehension)،وعند أهل اليابان (理解りかい読解どっかい) لأنهما في الحقيقة عملين مفترقين، فالقراءة جري العيون على الحروف، والاستيعاب نفوذ العقل إلى المعنى وفهمه.

إصلاح القراءة على كبر

ما كنت يوما ضعيفا في القراءة أو قاصر الفهم فيها، ولكنني درست المرحلة الجامعة في اليابان ووجدتها رحلة عسيرة، فهم قوم شغفوا بالقراءة قياما وقعودا، ولجامعاتهم توقعات عالية في البحث، وتصنيف المقالات، وعزو المراجع، واستخراج الخلاصات. فكان الحمل علي ثقيلا وكنت أتخلف أحيانا عن ميعاد التكاليف، وكم مرة ينقضي زمن الامتحان قبل أن أكمل الإجابات، فيزيد الغم في صدري. حتى عطف علي معلمي وكان طيبا ناصحا، فقال: لا تبتئس، فإن هذه المسائل معضلة على الكافة، وإن عناءك لمضاعف لأنك تدرس بغير لغتك.

ثم أخذني إلى المكتبة، وأعطاني مراجع منوعة في أساليب القراءة، وانغمرت فيها. عرفت أن من مواطن الخلل عندي اعتماد أسلوب واحد في امتصاص المعلومات. كنت آتي على النص جملة من أعلاه إلى أدناه،. وأرفض أن أترصد موضع السؤال لأصيد الجواب. هذا الأسلوب ماكان يناسبني لأني أحب إحاطة السياق كله. وبعد إجراء التمارين فهمت أنه ليس علي أن أنبذ أسلوبي هذا بل أن أرجئه إلى وقته. يجب أن أوظف أساليب أخرى. فالنجار البارع لا ينجز أعماله كلها بالمطرقة فقط. فصرت أشكل بين الأساليب حسبما هدتني الكتب، وأنجز التمارين بكثافة. كل يوم أقضي ساعتين في المكتبة. أقرأ وأقرأ وأجيب ثم أنظر في آخر الكتاب لأتبين صواب الأجوبة، فوجدتني أتحسن، وأقبض على معنى المقالة سريعا، بل رأيت أن حديثي باليابانية وكتابتي تحسنا كثيرا.

فوائد أساليب القراءة اليقظة

وقد خرجت من تعلم أساليب القراءة اليقظة بعدة فوائد:

  • جودة الحفظ وسرعة الاستذكار: لأني صرت أقرأ بقلب حاضر ونية قاصدة، ومن قرأ مستيقظا قلما يضل عنه ما وعاه.
  • حفظ الوقت: فكثرة التدريب خففت الحمل الفكري، وجعلت في ذهني ليونة وسرعة في الفهم.
  • شحذ ملكة النقد: صرت أعرف ما يقوله النص، وما يتوارى خلف سطوره، وبأي الحجج يستند صاحبه.
  • استكثار المادة اللغوية: أنتبه لشوارد الكلمات وأقف على معانيها لأرفع من حصيلتي اللغوية.
  • تجويد الكتابة: ومن أهم ما استقر عندي من قناعات، أن ملكة القراءة والكتابة مرتبطتين فكل من عدم القراءة وحسن الفهم، عدم بالضرورة جودة الكتابة؛ إذ الكتابة في حقيقتها ليست إلا نقل ما استقر في الأذهان من فهم.

كيف تطبق أساليب القراءة اليقظة؟

أتمرس على كل أسلوب فرديا وانقله لطفل أو مربي لأغرس المهارة وأنشرها.

النصوص التي أوردها في المقالات ليست من كتابتي مالم أذكر ذلك.

سأنتقي نصوص عربية فصيحة للغوص في الأدب العربي ويمكن التطبيق على لغات أخرى.

يفضل أن تكون النصوص فوق مستوى القارئ لتحقيق التقدم.

ستكون الإجابات مقفلة تحت زر الإخفاء، ينقر عليه لتظهر الإجابة.

قد تختلف الإجابة في الصياغة ولكن ينبغي أن تلتقي في المعنى.

سأمر على كل أسلوب في مقالة منفصلة وأول أسلوب هو أسلوب القشد.