رجالات الرياضيات | Men of Mathematics


نبذة الكتاب
رجالات الرياضيات نشر لأول مرة عام 1937 ويعتبر من الكلاسيكيات الخالدة عند مجتمع الرياضيات. الكتاب يروي قصص أعظم العقول الرياضية في التاريخ، من أرخميدس إلى كانتور، بأسلوب نثري حيّ وجذاب. عرفته من خلال برنامج وثائقي عن عبقرييّ المفضل في الرياضيات جون ناش، حيث قيل أن هذا الكتاب ألهمه كثيرا فقررت قراءته لأرى سره. وجدت أنه ليس مجموعة من السير الذاتية — بل أشبه بعمل أدبي مرموق يمجد لروح الاكتشاف الرياضياتي.
ماسره؟
المؤلف إي بيل هو من أولئك القلائل الذين جمعوا بين الرياضيات وبين الأدب. أسلوبه في الكتابة جذاب جدا يدعو القارئ إلى رؤية الرياضيات ليس كمادة جافة بل كرحلة إنسانية نقية للمعرفة. وأن الرياضياتيين ليسوا مفكرين جامدين غارقين في عالم الرموز والتجريد. لديهم عوالمهم وآلامهم وأحلامهم. إنهم بشر نالوا نصيبهم من المشاعر الإنسانية كالطموح والإحباط والصبر والإصرار. إن من أجمل نقاط قوة الكتاب كونه يمزج بين السيرة التاريخية، والتأمل الفلسفي، وبراعة السرد القصصي مع تجنب التفسيرات الرياضية المعقدة ليخاطب من يشعر بالخوف من الرياضيات لكنه فضولي تجاه روادها. ويرسم الكتاب صورًا حيّة لأكثر من عشرين عالم رياضيات، من اليونان القديمة وحتى أوائل القرن العشرين. من أبرزهم:
- أرخميدس، الرائد اليوناني القديم الذي أذهل معاصريه ببصيرته الرياضية وإنجازاته الهندسية.
- إسحاق نيوتن، العبقري الانعزالي الذي أحدث ثورة في الفيزياء والرياضيات بقوانين الحركة وحساب التفاضل والتكامل.
- ليونارد أويلر، ذو إنتاج غزير يكاد يكون استثنائيا فقد كتب أكثر من 800 ورقة علمية رغم فقدانه للبصر في سنواته الأخيرة.
- كارل فريدريش غاوس، الملقب بـ ”أمير الرياضياتيين“ والذي تعدت عبقريته نظرية الأعداد إلى الفلك وما بعدها.
- إيفاريست غالوا، الشاب الرومانسي والمأساوي، الثائر الذي لم تقدر أطروحاته في الجبر إلا بعد وفاته.
- جورج كانتور، مؤسس نظرية المجموعات، الذي واجه رفضًا أكاديميًا ومعاناة نفسية شديدة.
- هنري بوانكاريه، متعدد المواهب الذي اقترب من نظرية الفوضى قبل أن تُعرف حتى بهذا الاسم.
- شارل هيرميت، جوزيف فورييه، نيلس آبل، أوغستان-لويس كوشي، وآخرون ممن شكّلوا العمود الفقري للتحليل والجبر الحديث.
إصلاح الصورة النمطية
الكتاب يصحح الصورة الشائعة عن علماء الرياضيات وأنهم آلات حساب حكيمة وراجحة العقل لاتعرف إلا اتباع المنطق والصواب فقط. في الواقع إن غرابة الأطوار تشيع فيهم كثيرا. إنهم مستكشفون شغوفون، ومتمردون، ورؤيويون. لدى الرياضياتيين درجة عالية من الشغف، العزلة، والعناد والحساسية الطفولية. يبدو في كثير من الأحيان أن أصالتهم في التفكير قد جاءت على حساب ائتلافهم مع أبسط القواعد المتعارف عليها لاسيما في الجانب الاجتماعي.
حساسية، عناد طفولي، قدرة كبيرة على الخلو بالنفس، خيال خصب، استقلالية أقرب إلى التمرد، وشغف لاينضب تجاه الأجوبة. تلك هي الصفات الأكثر شيوعا عند عمالقة الرياضيات وليس الحكمة ورجاحة العقل.
مآخذ النقاد على الكتاب
رجالات الرياضيات ليس عملا خاليًا من العيوب ولكني لا أتفق مع كل ماناله من نقد. فمثلا عُيّب على الكتاب:
- الافتقار إلى الدقة في بعض الجزئيات: فمثلا أورد قصة مشهورة لكارل عندما كان طفلا في المدرسة ولكن ليس لها وثائق تثبتها تاريخيا. أنا أرى أن المؤلف ليس مؤرخا في الأساس بل حاول أن يقارب بين الرياضيات وسرد السير.
- إغفال الإسهامات النسائية: أيضا لا أرى حرجا في ذلك فعنوان الكتاب هو رجالات الرياضيات. هناك كتب توضع خصيصا لإسهامات النساء في الطب أو العلوم فلماذا يعد وضع كتاب لإسهامات الرجال أمرا خاطئا؟ أجده تصيد تافه.
- ضحالة الطرح الرياضياتي: وتلك موازنة اضطر الكاتب إليها. فالإغراق في الشروحات الرياضياتية كان ربما ليحد من شهرة الكتاب وانتشاره. مع الإشارة إلى أنه ليس خالٍ تماما من المفاهيم الرياضية إنما لايلزم القارئ بفهمها ليقدر إسهامات هؤلاء العمالقة.
مأخذي على الكتاب
- التحيز الصارخ للإسهامات الغربية: الكتاب يدور حول فلك الطرح الأوروبي الغربي وكأن باقي الأمم وقفت متفرجة خلال حقب التاريخ. مهما أحاول لا أستطيع آتي بعذر واحد لعدم ذكر الخوارزمي. حتى الذين يبغضون الإسلام والعروبة يذكرون الخوارزمي كعالم فارسي ويمحون باقي القصة، لكن أن يقصى كليا رغم أنه الشخصية الأساسية في علم الجبر؟ أيعقل أن بيل لايعرف أن كلمة ”Algebra“ جاءت من كتاب ”الجبر والمقابلة“، كلمة ”algorithm“ هي نطقهم المكسور لـ”خوارزم“؟، أيعقل أنه لايعرف أحد أكثر الرياضياتيين تأثيرًا في التاريخ؟ وهو الذي يحتفي ويتغنى بالجبر الرمزي بشكل موسّع.
- إسداء الفضل (كل الفضل) إلى الرياضياتيين فرادى: وهي السقطة الثانية المستغربة في الكتاب. بيل يعرف أن كل عالم في أي مجال يبني على إسهامات من سبقه ويضيف إليها وهكذا تدفع عجلة المعرفة الإنسانية. هؤلاء العظماء استفادوا من أطروحات من سبقهم وكذلك استفادوا من البيئات الأكاديمية التي نشأوا فيها. فلم يقلل من شأن المؤسسات التعليمية؟ مع إنها كانت ولازالت الحاضنة الفكرية التي تخصب هذه العقول التي أذهلته. الجامعات هي من يقتنص هذه المواهب، الجامعات هي من تدعوهم للتعرف ومراجعة الإرث السابق (Academic literature) الجامعات هي من يمد لهم الأساتذة والتوجيه والمنصة اللازمة للتلاقح والإنتاج الفكري. كان ينبغي لكتاب كلاسيكي رصين ومحبوب كهذا الكتاب أن يرسخ لهذا لا أن يسير ضدها.
ختاما
جوهر الكتاب لا يزال قائمًا، إنه احتفاء بروح الرياضيات، واعتراف بأن حتى أكثر الأفكار تجريدًا وجفافا تنبع من قصص إنسانية عميقة. سواء كنت طالبًا في الرياضيات أو مجرد مفتون بالعبقرية مثل الكاتب، فإن رجالات الرياضيات سيعطيك جرعة قراءة مشوقة وملهمة — ليس لدقته ولا إنصافه، بل لقدرته على إشعال الفضول والإعجاب بسيرة بعض أعظم العقول في تاريخ البشرية.
لا توجد تعليقات بعد.