كلها أربع وعشرون ساعة


كم ساعة قضيت؟ أجب!
أنا لا أشعر دائما بالوقت. أنا لا أنتبه له. أنا لست من أولئك الذين يكثرون الإطلال في الساعة مالم يكن لدي ميعاد منتظر. بل إنني أعتقد أنه لولا الصلوات الخمس لكنت فقدت الوعي بالوقت كليا. في داخلي حين أتساءل عن الوقت أقول: لقد صليت الظهر قبل قليل ولم أسمع أذان العصر بعد، هذا يعني أنني بين حدود الساعة الواحدة والثالثة. هكذا مجرد تقدير لإطار الوقت الذي أنا فيه. في المدرسة عندما يسألني الأساتذة كم ساعة تدرس في اليوم؟ كم ساعة أخذ منك هذا العمل؟ أجدني لا أملك إجابة. والأردى إلحاحهم: ”هيا قول الحقيقة “ أي حقيقة؟ الحقيقة لا أعرف. لم أنظر في الساعة. الحقيقة أنا أدرس طوال اليوم وأعمل طوال اليوم. الحقيقة أنني مادمت مستيقظا فإن عقلي يعمل. والحقيقة الأصعب أن عقلي يعمل قائما ويعمل نائما.
ولكن البوح بهذا صعب. سيظنوني أتذاكى عليهم وكأن التفكير أثناء النوم نعمة وليس نقمة. نقمة هي أن تحل مسائل أثناء النوم. نقمة أن تأتيك أفكار أثناء النوم. نقمة أن تعجز عن نومة متصلة هانئة لمجرد أن عقلك المرير من فصيلة الثيران فلا تفاوض معه على ترك بعض الأمور على الرف مؤقتا لحين يشبع من النوم. لكن لماذا لم أستطع إيجاد حل لتلك المسألة إلا وسط النوم؟ لقد كتبت أجود برامجي أثناء النوم. هل تعمل عقولنا بصفاء أفضل ونحن نائمون ……..
”يافلان!“
فززت من صوت المدرس لما قاطع حبل أفكاري. صحيح، نسيت أقول أن الإبحار فكريا والانفصال عن الواقع أثناء المحادثات هي إحدى قدراتي الفذة إلى جانب التفكير وسط النوم ” واضح ماتبغى تقول. شكلك خايف من العين هاه؟“ وأضحك الطلاب علي.
من الصعب إجراء حوار ناجح مع المدرس العربي. فبدلا من أن يوصل فكرته بطريقة فعالة هو فنان في إشعال فتن الغيرة والمقارنات بين الطلاب. كان يريد مقدار من الساعات يدحرجها عليهم فقط. فاتهمني بالوسوسة وختم معهم بـ :”شوفوا زميلكم اللهم لاحسد. يدرس أكثر منكم. تبغون تفلحون؟ ادرسوا أكثر!“. نعم كل ماعليك فعله لتفلح هو زيادة الساعات ولا داعي لذكر أي شيء آخر أو الإشارة له من قريب أو بعيد.
مزاعم الجدولة والتنظيم
البعض فعلا مبتلى بالتسيب وهدر الوقت وراء التفاهات من مناسبات اجتماعية وإنترنت وشاشات. وفي سبيل إصلاح ذلك كثرت دعاوى تنظيم الوقت. وأنه من الضروري أن تخرج ساعة أو ساعتين من يومك لتعمل الشيء الفلاني. صارت الشركات تبيع على الناس برمجيات رفع الإنتاجية والتخطيط وكتابة الملاحظات. والفئة المستهدفة غالبا من الطلاب الذين صاروا بلهاء يتباهون بشراءهم السوفتوير الفلاني وفتحهم كل الخصائص فيه. ويكتبون تعليقات لبعضهم البعض. كثيرا مادعيت إلى مشاركة ملاحظاتي الدراسية. وحين أرد بأنني لا أدون رقميا يسيئون الظن بي مثل الأستاذ. أنا أرى أن هذا كله هراء. هراء يلهينا عن جوهر المسألة. الحمقى يرون مشكلات لاوجود لها ويأتون لها بحلول حمقاء مثلهم. إهدار الإنسان لوقته في أمور تافهة هو سلوك نابع عن قناعة. قناعة منه بأن هذا الأمر يستحق حيزا من وقته أكثر من أمر آخر. إذا لم تتغير القناعة فلن تفلح أي أداة لإدارة الوقت في صنع تغيير. يكفي أن يقتنع الإنسان بهدف ما. يكفي أن تصدق نيتة لأن هذا الصدق سيعمل كمحرك يساعده على تنظيم الوقت بل على تجاوز كل العقبات في الطريق. وكما قالت العرب:
إذا صدق العزم وضح السبيل – والمستعد للشيء تكفيه أضعف الأسباب – ومن سار على الدرب وصل
الجدولة عقبة في وجه الابتكار والإبداع
السبب الآخر الذي يجعلني أرفض هذه الأدوات هو أن الجدولة لاتجدي مع كل المهام لاسيما المهام الإبداعية. قد ينفعك أن تخصص ساعة للرياضة كل يوم أو ربع ساعة لنسخ الكنجي لكن ما إن نتكلم عن المسائل الإبداعية/الإنتاجية تظهر محدودية تأطير الوقت. فالإلهام والفحص والفهم العميق هي أنشطة تأملية فكرية مرنة بطبيعتها. واقرأ في سير الرياضياتيين والمؤلفين و الفنانين. لن تجد منهم من قال لقد كنت أؤلف هذه المقطوعة في الساعة الخامسة عصرا كل يوم. لقد حللت هذه المعضلة الرياضية في الصباح. هذا تكلف لايحدث في أرض الواقع. هذا مثال عملي لخلط الوسائل بالغايات وتضييق الفسيح.
كلها أربع وعشرون ساعة !
في رأس المقال أرفقت صورة لساعة وجدتها أثناء تسوقي مع أمي. لقد لفتت نظري بتصمميها الغريب. فهي لاتتبع نظام النصف دورة ~ بل دورة كاملة، أي أربع وعشرون ساعة. والعقرب يدور من أول اليوم إلى آخره. لقد أسرتني بفكرتها الرائعة. لماذا لم نصمم الساعات هكذا منذ البداية؟ لما رأيتها قلت لأمي أريدها من فضلك فاشترتها لي وقالت ”أنت دائما تحب الأشياء الغريبة.“ لمانظرت فيها انتابني شعور غريب. هذا يوم كامل. كل ساعات يومي مرتصة أمامي. هذه الساعة لاتريني الوقت فقط بل أين أنا من يومي. تذكرت موقفي مع الأستاذ في المدرسة تأملت هرائيات أدوات إدارة الوقت فمهما انتجوا وباعوا على الناس من أدوات لن تعلم أحدا بالملعقة قيمة الوقت. لن تزيدك المفكرة الإلكترونية ساعتين بقدرة قادر ولن تبلغ الجبال طولا. يكفي أن تحدد هدفا وتصدق النية في توظيف وقتك وصولا إليه، يكفي أن تستفيد من الأربع والعشرين ساعة لأنها كلها ليست إلا أربع وعشرون ساعة.
لا توجد تعليقات بعد.